بقلم م. كميل حليم، رئيس التجميع القبطي الأمريكى
قامت إدارة المعونة في تقرير ميزانية 2009 بتخفيض المعونة إلى مصر ب 210 مليون دولار, ويهدد الكونجرس بحجب مبلغاًَ إضافياًَ قدره 100 مليون دولار, وطالبت إدارة الرئيس جورج بوش في تقريرها للمعونة الأمريكية المقدمة إلى مصر لسنة 2009 بقطع 210 مليون دولار من إجمالي 1.71 مليار دولار وهو حجم المعونة في العام الماضي, وقد وافقت اللجنة الفرعية لمخصصات العمليات المحلية والخارجية على هذا الخفض المقترح،
كما قررت اللجنة الفرعية حجب مبلغ إضافي قدره 100 مليون دولار من الجزء الخاص بالمساعدات العسكرية وذلك حتى تقوم مصر بأخذ خطوات فعلية وحقيقة في تحسين أحوال حقوق الإنسان، وذلك يتضمن تدريب رجال الشرطة للقضاء على جميع أشكال التعذيب، وأيضاً تعزيز إستقلالية السلطة القضائية, وجدير بالذكر إن مبلغ 210 ملايين دولار هذا لهو خفض كبير للغاية في المعونة المقدمة إلى مصر وذلك مقارنة بالتخفيضات السابقة – وهو إجمالي 170 مليون دولار مجموع التخفيضات للسنوات السابقة والذي يقدر بملغ 40 مليون دولار سنوياً، وذلك وفق ما تمليه إتفاقيات كامب ديفيد.
للوهلة الأولى، يبدو أن قرار الرئيس بوش الخاص بهذه التخفيضات كان نتيجة لتصدع الإقتصاد الأمريكي، وذلك كمحاولة لإيجاد توازن في الميزانية وخفض العجز العام للبلاد, ولكن وفي الواقع بلغ إجمالي المساعدات الخارجية المقدمة لجميع البلدان لعام 2009 زيادة قدرها 3.82 مليار دولار مقارناً بميزانية 2008، وهذا يتضمن 562.6 مليون دولار زيادة في حجم الدعم الإقتصادي، ومصر هي البلد الوحيد التي حصلت على تخفيض كبير في حجم أموال المعونة لهذا العام، ونجد أن هذا التخفيض لهو في غاية الغرابة إذا ما قورن إلى المعونات التي حصلت عليها البلدان الأخرى في المنطقة, فقد قام الكونجرس الأمريكي بتمرير العديد من المساعدات الطارئة خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب تزايد التهديد الإيراني، ونتيجة لهذا ستحصل إسرائيل على مبلغ 2.55 مليار دولار من الولايات المتحدة والأردن ستحصل على زيادة قدرها 161.45 مليون دولار؛ ويمكن أيضاً أن تحصل أفغانستان وباكستان على المزيد من المساعدات في عام 2009 على حد سواء لدعم عمليات عسكرية وإقتصاد الدولتين وذلك إذا ما مرت المقترحات الحالية, أذن يأتي السؤال لماذا تم تخفيض أموال المعونة المقدمة إلى مصر في حين تحصل العديد من البلدان الأخرى على مزيد من التمويل؟
وبالنظر إلى الأرقام المذكورة أعلاه، لا يسعني إلا أن أخمن بعض الأسباب لموقف الولايات المتحدة هذا؛ ومع ذلك لا تزال هناك بعض الأمور التي لا تفهم وعلى أي حال، فيما يلي الإستنتاجات الممكنة:
1. كان هناك تفشي في الحملات المناهضة للولايات المتحدة خلال ما يقرب من الخمس عشر عاماً الماضية في وسائل الإعلام المصرية والنظام التعليمي ونتيجة لهذه الحملات يكره المواطن المصري المتوسط الولايات المتحدة، فالحكومة المصرية التي ترعى وتشجيع مثل هذه المشاعر، لا تستحق زيادة في المعونة.
2. التقصير المصري المستمر في مجال الإصلاحات الديمقراطية فالولايات المتحدة تساهلت جداًَ مع مصر وأعطتها وقتاًَ كافياًَ لإتخاذ الخطوات البسيطة الأساسية نحو الديمقراطية الحقيقية، ولكن فشلت مصر مراراًَ وتكراراًَ.
3. تعنت مصر وإستمرار رفضها إطلاق سراح أيمن نور, فنور قد إنتهز فرصة قيام مصر بإجراء إنتخابات وطنية (وهذه الإنتخابات قامت الحكومة بتقديمها للمصريين نتيجة لإصرار الولايات المتحدة)، ورشح نور نفسه في أول انتخابات رئاسية, ومع ذلك سجن نور على الفور نتيجة لإتهامات لفقت له، ورفضت مصر وبشكل قاطع جميع الطلبات لإطلاق سراحه, فالولايات المتحدة ليست هي الدولة الوحيدة التي تعترف بأن سجن على نور كان لدوافع سياسية ونكسة كبيرة لحقوق الإنسان الأساسية, فالإتحاد الأوروبي أيضاً قد طالب بإطلاق سراحه.
4. عدم إحراز أي تقدم يذكر في التوصل إلى معاهدة سلام بين إسرائيل وفلسطين, لسنوات عديدة قامت الولايات المتحدة بالإعتماد على مصر للمساعدة في هذه المسألة، ولكن لم تحقق مصر أي خطوات حقيقية نحو السلام بين البلدين, ومن الواضح أن الولايات المتحدة قد فقدت الثقة في مصر وتثبت هذه التخفيضات أن الولايات المتحدة بدأت في فقدان الأمل أيضاً.
5. الوضع في العراق وعدم قيام مصر بتقديم مساعدة لتحقيق الإستقرار في البلاد, ولعل الإدارة الأمريكية الحالية ترى أن مصر ووسائل الإعلام لم تفعل ما يكفي لمساعدة الحكومة العراقية أو شعبها، وخاصة بالنظر إلى التوغل الشديد للقاعدة وإيران في الإضطرابات وإستمرار العنف في العراق.
6. عدم قيام مصر بمكافحة أيديولوجيات الإسلام الراديكالي فكان من المفترض إن تكون مصر مثالاًَ ساطعاًَ للمجتمع متسامح والبلد الديمقراطي في الشرق الأوسط، وبدلاًَ من هذا تعمل مصر على تشجع التطرف وعلى الرغم من محاولات الحكومة المصرية المثيرة للشفقة لسجن عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، فلا تزال مصر تسمح وتعزز نشر الأيديولوجيات المتطرفة، وبل تؤيد هذه الأيديولوجيات في وسائل الإعلام الحكومية والنظام التعليمي وفي الواقع، ومؤخراًَ وجد إستطلاع الرأي التي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي أن 60 ٪ من المصريين لهم وجهة نظر إيجابية بخصوص القاعدة, وكانت باكستان في المرتبة الثانية بنسبة 19%.
7. فشلت الأهداف المعلنة لبرنامج المعونة الأمريكية في مصر, فمنذ بدء الولايات المتحدة في الدعم الإقتصادي لمصر، وبرنامج المعونة الأمريكية كانت له هذه الأهداف التالية: تعزيز النمو الإقتصادي، والإتفاقات التجارية، وغيرها من أشكال تحسين وتطوير السوق في مصر؛ وأيضاً العمل على تحسين صورة الولايات المتحدة بين المصريين، وتعزيز الديمقراطية ولكن فشلت جميع الإصلاحات الديمقراطية في مصر، وقد سبق ونوقش هذا الموضوع في نقاط 2 و 3 ، وحقيقة مشاعر معظم المصريين المعادية للولايات المتحدة هو مبين في النقاط 1 و6, فحدث في الصيف الماضي أن المصريين قاموا بالمظاهرات، وأعمال الشغب والإحتجاجات اليومية للحصول على الخبز لإطعام أسرهم وهذا يبين أن التحسينات الإقتصادية لم تكن كبيرة بالقدر الكافي كما يتوقع أحد بعد مثل هذا الحجم الضخم من إستثمار مليارات الدولارات, ويضاف إلى فشل هذه الأهداف تعرض المنظمات التي حصلت على أموال المساعدات من الولايات المتحدة مثل مركز ابن خلدون وجمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان للإضطهاد من الحكومة المصرية، وتفرض عليهم القيود، وأحياناًَ منعت تماماًَ من القيام بمهام حقوق الإنسان الأساسية والإصلاحات الديمقراطية.
8. تواصل مصر إنتهاكاتها لحقوق الإنسان الأساسية، وهذا أمر يحظى بإعتراف وأدانة متزايدة من المجتمع الدولي, بداً من قرار الإتحاد الأوروبي في يناير الماضي وإستمراراًَ إلى غضب الكونجرس الأمريكي ووزارة الخارجية، فمن الواضح أن نفي مصر ومحاولاتها بالإشارة إلى أن مثل هذه التصريحات الدولية هي بمثابة "تدخل غير مقبول في الشئون الداخلية" يلقى عدم قبول متزايد في عيون المجتمع الدولي, وفي الثامن من أكتوبر 2008 صرحت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إن التقدم في مصر "ليس كما كنا نأمل" وإذ تعترف بأن هناك نكسات ومخيبات أمل في مصر وذكرت رايس أن طلباتها بالإصلاحات قوبلت بالرفض, دعونا نستعرض بعض من الإنتكاسات التي حدثت مؤخراًَ في مجال حقوق الإنسان في مصر؛ كتجديد قانون الطوارئ, والحكم غيابياًَ على الدكتور سعد الدين إبراهيم, وحتى قرار العفو عن إبراهيم عيسى في الشهر الماضي كان حيلة من وسائل الإعلام لجذب الإنتباه ويشير زوراًَ إلى أن مصر تبذل 'تحسينات' ولكن بعد بضعة أسابيع فقط تم القبض على خمس صحفيين وتقديمهم إلى المحاكمة وتم إعتقال مدون آخر, وتسود الإنتخابات في مصر وبشكل متزايد عمليات الإعتقال والعنف والفساد, وتقارير التعذيب آخذة في الإرتفاع، وتتدخل قوات الأمن، وأحيانا بعنف في الإحتجاجات السلمية وبصراحة لم يعد المجتمع الدولي يصدق الحكومة المصرية عندما تقول أنهم يكرسون مجهوداهم لتحسين حقوق الإنسان.
9. مازلت لا أفهم موقف الولايات المتحدة بخصوص خفض المساعدات لمصر، ولا سيما فيما يتعلق بالمشكلة الإيرانية, وأعتقد أن الولايات المتحدة ومنذ إتفاقيات كامب ديفيد قامت عمداًَ بإستثمار مبالغ كبيرة من المال في الجيش المصري من أجل إبقاء الجيش كبيراً وقوياً ومدرب تدريباًَ جيداًَ بحيث أنه إذا إندلعت الحرب في الشرق الأوسط، يمكن لمصر أن تحارب جنباًَ إلى جنب مع الولايات المتحدة, فإذا إندلعت الحرب بين إيران أو أي من البلدان الأخرى الغنية بالنفط، مثل السعودية ودول الخليج، لا يوجد جيش يمكنه الوقوف ضد إيران مثل الولايات المتحدة ومصر, فإن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل حرب أخرى بعد العراق، فالقوة العسكرية المصرية البارعة ينبغي أن تعني زيادة في الدعم، وليس النقصان, فالوقت وحده سوف يظهر النوايا الحقيقية للولايات المتحدة.
أن جميع هذه النقاط هي الأسباب المحتملة لقيام الولايات المتحدة بعمل هذه التخفيضات الحادة في المساعدات لمصر, ومع ذلك أعتقد أن كل المصريين الأمريكيين لا يجب أن يوافقوا على هذه التخفيضات الحادة -- وأظن أن هذا التخفيض سوف يأتي معظمه من الجزء الإقتصادي من المعونة، وهذا فقط يضر المواطن المصري المتوسط وليس من العدل إن يضر الشعب المصري أو يعاقب بسبب أخطاء الحكومة.
src="http://pagead2.googlesyndication.com/pagead/show_ads.js">
|