|
كتب الفنان شفيق بطرس
|
|
السبت, 17 مايو 2008 |
الفنان شفيق بطرس
جلست على الشاطىء الفضى المعروف بأنه من انظف وأنعم شواطىء الساحل الأمريكى المطلة على خليج المكسيك كان الوقت يقترب من أجمل لحظات أعيشها كل يوم أو كلما أستطعت لا أفوتها وهى لحظة الغروب، فما أجملها من لحظة وخصوصاً لو كان الغروب على شاطىء بحر أو محيط أو خليج مثل خليج المكسيك.
نسمات العصرية من أرق نسمات اليوم بأكمله وكأن الطبيعة تهمس فى أذن البحر وتنفخ فيه بنسمة عاشقة كما ينفخ العاشق فى أذن عشيقته مداعباً إياها بكلمات الغزل الرقيقة والحب الساخن ، كأن الطبيعة تداعب البحر وتطبع قبلة وداع على جبين كل موجة تتهادى وتتراقص فى سيمفونية ساحرة لا مثيل لها ولا يتجرأ أكبر رسام أو أقوى مخرج أوركيسترالى أن يجسدها.
هذه اللحظات التى ولِدَت للعشاق لكى يعيشوها ويستقوا من جمالها الخلاب هذه اللحظات قد ولِدَت للشعراء لكى يستقوا منها المعانى والإبداع الشعرى الرقيق ، ولِدَت للرسامين لكى يغمسوا فيها فرشاتهم ويتعلمون من الخالق العظيم ومن الطبيعة الساحرة كيف يتناغم اللون الأحمر مع اللون الأزرق ويتدرج اللون البرتقالى مع اللون البنفسجى وينعكس كل وميض اللحظة الشاعرية على كل نقطة من مياه الخليج وكأنها تحزم كل موجة بحزام بنفسجى رقيق ساحر يفعل مفعوله فى كيان الموجة الرقيقة فتتجاوب وتتمايل بعزوبة مابعدها عزوبه وتصنع مع باقى الأمواج أبدع لوحة لأبدع حفلة وداع لهذا المارد المشتعل الشمس وكأن البحر يريد أن يغسلها من كل تعب النهار ويكافئها بهذه الحفلة الساحرة نظير ما أعطت للبشر والحيوانات والطيور والنباتات وجميع المخلوقات وكل ما فى المسكونة من طاقة ودفء وحرارة ونضج وحياة لجميع الكائنات وتطهير ونقاء من كل ماهو ضار.
بعد كل هذا العناء، من حقك أيها المارد البرتقالى المبدع ان تغتسل من أوجاع وتعب وهموم كل النهار وتغسل معك أتعاب البشر وتغطس بها فى عمق الأفق الرمادى وكأنك تقبل توبتهم وتغسل وجعهم وتجدد لهم مشاعرهم لتتولد بداخل شعراء وفنانين الكون طاقات الإبداع وتنفتح فى لحظات الوداع اليومية كل قنوات الإتصال بين أدباء ورسامين وموسيقيين وبين شيطان الوحى وسلطان الجمال والرقة والخلق والإبداع ، تدمع عيون المرضى مع لحظات الوداع وكأنهم يريدون ان يودعون الألم ويغتسلون مع بنفسجية الأفق الساحرة وينقون أنفسهم العليلة والتى ترنوا إلى لحظات الشفاء ، تدمع عيون هذه العجوز والتى تجلس بمفردها تنتظر هذه اللحيظات وتتذكر معها وداع حبيب قد سبق ورحل عنها ، تتذكر كل مافاتها من أيام وذكرياتها مع زوج أو عشيق أو أولاد وهى الآن جلست وحيدة مع ذكرياتها تجترها وتتابعها فى عقلها وكأنها تريد لحظة لها تنتهى فيها من هذه الآلام وتودع أوجاع الذكريات ونيران الوحدة كما ودع العملاق البرتقالى يومه وأنهى رحلة سفره وغطس فى أكفان رمادية تتماوج مع أمواج البحر الذى غلب عليه لون الحزن والعتمه ، يمسك العاشق المحطم الفؤاد وردته التى مزقت أنامله بأشواكها ولم يجد رفيقة عمره وعشيقته وحبيبة قلبه وهى بعيدة كل البُعد عنه وقد جلس يتابع لحيظات الغروب الساحرة ويشكو وحدته وقسوة الزمان على قلبه المحطم الوحيد ، يرمى العاشق وردته القرمزية والتى فقدت بريقها وفقدت زهوتها بفقدان شمس النهار ، يقذف بها لتحتضنا أمواج البحر الرمادية وتسكب لها كل مشاعر العاشق الكسير وتحكى لها قصته ومرار وحدته وحكم زمانه بالبعد عن عشيقته ، تختلف الأحاسيس ويختلف رد فعل كل هؤلاء تجاه هذا الحدث الساحر والذى يتكرر كل غروب ، ويقبض الحبيب على أيدى حبيبته ويهما بالرحيل إلى ليلة دافئة يتبادلا فيها الحب والحنان ليغلبهما النُعاس وتشرق عليهما الشمس من جديد لتصنع لهما أياماً وعمراً وأحداثاً تتكرر وتكون ذكريات تتفجر فى مستقبلهما مع لحظات الغروب
...... شفيق بطرس
src="http://pagead2.googlesyndication.com/pagead/show_ads.js">
|