|
في كافة الأنظمة السياسية التي تسود معظم دول العالم ينظم شكل هذا النظام
السياسي في دولة ما هو دستورها فيبين عما إذا كان النظام السياسي هو نظام
رئاسي أو جمعي أو ديموقراطي أو أنها تأخذ بالنظام الأشتراكي أو اقتصادها
يقوم على النظام الرأسمالي أو اقتصاد السوق أو الاقتصاد الموجه إلى أخر
تلك المصطلحات السياسية والاقتصادية التي تنظمها هذه الدساتير.
ونفهم من دستور مصر الصادر سنة 1971 بأن مصر دولة ديمقراطية تأخذ بنظام
الأحزاب التعددية السياسية ويكفل الدستور مبادئ المساواة بين المواطنين
ويكفل حرية العقيدة لأي من طوائف الشعب ويصون الحريات العامة وتحمي
الحريات والممتلكات الخاصة هذا هو المحتوى الجوهري للدستور المصري.
لكن واقع الأمر والتطبيق العملي يقول غير ذلك بل عكس ذلك ولعل ما صدر من
حكم للمحكمة الإدارية العليا الأسبوع الماضي والذي قضي برفض الموافقة على
حزب مصر الأم لمخالفته الشريعة الإسلامية والدستور إذا جاء الحكم كما
نشرته جريدة الجمهورية الحكومية بالحرف الواحد في عددها الصادر الأحد
4/6/2006 إذ أبدت المحكمة الإدارية العليا دائرة الأحزاب قرار لجنة شئون
الأحزاب بعدم الموافقة على تأسيس حزب مصر الأم لتعارضه مع الدستور ومبادئ
للشريعة الإسلامية صدر الحكم برئاسة المستشار عبد الرحمن عزوز رئيس مجلس
الدولة ..... قالت المحكمة أن الحزب أصطدم في برنامجه بنصوص صريحة وراسخة
في الدستور ومع الشريعة الإسلامية حيث طالب بإلغاء المداة الثانية من
الدستور وأشار الحزب إلى عدم أهمية ذكر الديانة في المحررات الرسمية
والعبرة بالوطن وليس بالدين وأن الحزب يدعو إلى العلمانية ".
هذا أهم ما جاء بحكم الإدارية العليا والتي نشرته جريدة الجمهورية وبمزيد
من القراءات لهذا الحكم ونحن لا نعلق عليه وإنما مزيد من دراسته يتضح لنا
الأتي:-
أولاً: من حيث صحته فنحن نرى من جانبنا أن القضاة الذين أصدروا هذا الحكم
لم يخطئوا وإنما أصابوا كبد الحقيقة لأن حكمهم قد جاء متماشياً مع الدستور
الذي ينص على أن المادة الثانية منه التي تنص على أن المادة الثانية من
الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وفي
هذا الصدد فسر ذلك أحد مستشاري مفوضي الدولة في إحدى القضايا والتي كنا قد
رفعناها لمطالبة وزارة الداخلية بإعادة الرقم القومي بالإسم والديانة
المسيحية عند عودة من أشهر إسلامه إلى ديانته الأصلية فجاء بالحرف الواحد
في المذكرة التي طالب فيها برفض الدعوى أن مثل هذا الشخص لا يُجاب إلى طلبه
ويعتد مرتداً لأن جميع قوانين البلاد لا بد وأن تأتي في سياق الشريعة
الإسلامية التي ينص دستور البلاد على أنها المصدر الرئيسي للتشريع ، أي لا
يمكن أن يعتد بقانون أو نص يخالفها ومن تلك المبادئ الشرعية أن المرتد
لابد أن يقتل أن لم يستتب فإذا كانت أمرأة تحبس إلى أن تموت أو رجل يرجم
أن لم يستتب اسناداً إلى ما روى عن الرسول ورواه محمد بـن عبـاس " من بدل
دينه فأقتلوه " ومن ثم ما ورد في حيثيات هذا الحكم قد أصاب صحيح الدستور
والقانون حتى لو كان ذلك مخالفاً لباقي نصوص الدستور وخاصةً المادة 40 ،
46 منه.
ثانياً: إن ذلك المفهوم وذلك التفسير يكرس بوضوح وبطريقة لا لبس ولا غموض
فيها فكرة الدولة الدينية في مصر وأن مصر تحكم بالشريعة الإسلامية وليس
بالقوانين لأن جميع قوانين البلاد لابد وأن تأتي في سياق الشريعة
الإسلامية ولا يمكن مخالفتها ومعنى ذلك أن قوانين البلاد لابد أن تكون لها
مرجعية دينية وهي الشريعة الإسلامية حتى إذا كانت مخالفة لشرائع الآخرين
ولعلي أعطي أمثلة على ذلك فالقانون لا يجيز حتى في أبسط المسائل مثل موضوع
إعلام الوراثة فلا يجوز شهادة غير المسلم على المسلم ولا يجوز شهادة جار
مسيحي عند تقدم جاره المسلم لإستخراج إعلام وراثة من المحكمة وإحضاره جار
مسيحي فقط ليقول أن والده المرحوم فلان مسلم الديانة قد توفي بتاريخ كذا
وترك زوجته كذا وأولاده كذا هذا لايجوز إذا كان هذا الشاهد مسيحياً حتى لو
رضي هذا الجار المسلم كما لايجوز للزوجة المسيحية التي أسلم زوجها وأقامت
دعوى تطليق للضرر لهجرة زوجها لها الذي أسلم وتضررها من وجودها بمفردها
فلابد لإثبات هذا الضرر أن تحضر شاهدي عدل لابد أن يكونوا من المسلمين ولا
يجوز أن يحضر شاهدي مسحيين رغم أنها مسيحية الديانة.
هذه الإجراءات والقوانين التي تطبق تكاد تكون بشكل يومي هي قوانين ذات مرجعية دينية حتى لو كانت تميز بين المواطنين.
وأبسط مثال لذلك ما نكافح فيه هذه الأيام من أن من حق الأم المسيحية حضانة
صغارها من زوجها الذي أشهر إسلامه لأن الحضانة لا تتعلق بالدين ومع ذلك
صدر حكم محكمة أول الدرجة في احدى القضايا الهامة المطروحة على محكمة
استئناف الاسكندرية هذه الأيام بأن من المقرر شرعاً أن حسب الشريعة
الإسلامية وأن بلوغ الطفل سن السابعة فيه تميز للأديان ويُخشى عليه من
بقائه مع أمه المسيحية وبذلك طبقت الشريعة الإسلامية ولم يطبق القانون 10
لسنة 2004 الذي ينظم سن الحضانة الذي يقرر أن ينتهي سن الحضانة عند بلوغ
الصغير أو الصغيرة خمسة عشر عاماً ولم يسعفنا في هذا الشأن إلا أيضاً فتوى
طبقاً للشريعة أصدرها فضيلة المفتي الدكتور " علي جمعة " يوم الأحد
الموافق 21/5/2006 بأن يجوز للأم المسيحية التي أسلم زوجها آن تحتضن
أولادها الصغار طالما أن هناك لا خشية عليهم.
ثالثاً: إنه مما يؤكد أن النظام في مصر بأكمله ذو مرجعية دينية أن تصريح
السيد الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء لجريدة المصري بعدد الأسبوع
الماضي والذي جاء به أن مصر دولة مدنية أو علمانية وقامت الدنيا من الأزهر
ومن كبار العلماء المسلمين ولم تقعد حتى الآن حتى تراجع رئيس الوزراء
واعتبر أن ذلك ذلة لسان، ألا يؤكد أن مصر باتت دولة دينية بحتة.
رابعاً: ما أكده السيد الأمين العام للحزب الوطني وما أكده أيضاً الدكتور
فتحي سرور رئيس مجلس الشعب بأن لا تفكير مطلقاً في إلغاء المادة الثانية
من الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع
ألا يخالف ذلك باقي نصوص الدستور.
خامساً: نحن في رأينا أن المشكلة ليست في وجود هذا النص في المادة الثانية
من الدستور فلا يوجد نص في قانون العقوبات أن من" يرتد يهدر دمه " ولكن
وجود هذا النص الدستوري خلق نوع من المناخ الذي يشعر غير المسلم بالتميز
وولأستضعاف بينما ذات المناخ يفسر هذا النص لمصلحة المسلمين ومن ثم يشعر
الطرفان بأن قوانين البلاد أصبحت ذات سمة ومرجعية دينية.
سادساً: وجود هذه المرجعية الدينية وخاصةً في الدستور وعلى قائمته التي لا
يمكن أن ننكرها بل تسطرها الأحكام في حيثياتها في كثير منها هل نغلق الباب
أمام أي تفكير في الأخذ بمدنية الدولة أو علمانية الدولة.
سابعاً: نحن نرى أن مدنية الدولة أو فصل الدين عن الدولة لا يعني هذا
انكاراً أو تهميشاً لدور المؤسسات الدينية في مصر سواء الأزهر أو الكنيسة
فلا يمكن لمصري أن يتخلى عن معتقده الديني إسلامي أو قبطي وإنما يعني بذلك
هو تخلية جميع قوانين البلاد من أي صبغة دينية وخاصةً القانون الأساسي وهو
الدستور وألا تكون للحياة السياسية أو الاقتصادية ثمة مرجعية دينية وأن
يقتصير الدين على دور العبادة.
ثامناً: إذا فعلنا ذلك فحتماً سوف يستتبعه تغيير شامل في مناهج التعليم وبرامج الإعلام ونشر ثقافة التعددية وثقافة قبول الآخر.
فنحن نرى تسييد قاعدة ومبدأ المواطنة وليست الهوية الدينية
src="http://pagead2.googlesyndication.com/pagead/show_ads.js">
|